محمد راغب الطباخ الحلبي

447

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

وفي أواخر حياته حضر إلى حلب وبقي فيها سنتين ، ثم رجع إلى أرمناز وبها توفي سنة 1316 رحمه اللّه تعالى . 1292 - الشيخ محمد فاتح الهبراوي المتوفى سنة 1316 الشيخ محمد فاتح ابن الشيخ محمد خير الدين الهبراوي الحسيني الحلبي . ماجد عجنت طينته من ماء الذكاء والنباهة ، وتزين جيده من حين نشأته بحلي الأدب والنبالة . ولم يبلغ سن الشباب إلا وقد سار في سبيل الفضائل شوطا بعيدا ، وكاد يعتلي ذروتها ويبلغ منتهاها لولا أن عاجلته المنية ومدت يدها إلى ذلك الغصن فقصفته على طراوته ، ولم ترع فيه إلا ولم تحفظ له عهدا . ولد رحمه اللّه سنة 1292 ، ونشأ في حجر والده ، وحفظ القرآن العظيم في مدة يسيرة . ثم أخذ في التفقه على مذهب الإمام الشافعي ، فلم تمض مدة وجيزة إلا وقد برع فيه وجلس للتدريس على مذهب ذلك الإمام بتقرير يشفي الغليل ، مع التحلي بلباس الصلاح والتقوى واشتغاله بالأوراد والعبادة بحيث يسهر معظم لياليه إلى وقت الأسحار . ولم يزل دائبا على ذلك حتى انصرفت همته إلى الاستزادة من تلك المناهل العذاب ، فعزم على اقتعاد غارب الاغتراب ، وإن كان في السفر نوع من العذاب ، وسافر من الشهباء في ربيع الأول سنة 1314 قاصدا دمشق الشام ، ولما حل بهاتيك الديار وشاهد من كان هناك من العلماء الأعلام ، ألفوه وأحبوه ، وتمكنت محبته لما شاهدوه فيه من الذكاء والفضل على حداثة سنه . وأقام هناك مدة ، ثم استأنف السير إلى الديار المصرية ، ومر في طريقه على القدس وزار تلك الأماكن المقدسة ، ولما ألقى عصا التسيار في تلك الديار جاور بجامعها الأزهر وأخذ في التلقي عن علمائها الأعلام بهمة زائدة ، ساهرا الليالي للاقتطاف من ثمار العلوم والارتشاف من كؤوس المعالي ، مع مواظبته على ما كان عليه من العبادة والأذكار . وفي يسير من الزمن صار هلاله بدرا واستنار في سماء الكمال وحفظ صحيح البخاري عن ظهر قلب . وأقام ثمة نحو ثلاث سنين مكبا على التحصيل ، فوافاه الأجل المحتوم ليلة عيد الفطر سنة 1316 ، فكان المصاب به جللا والخطب عظيما . ولو اتسعت له فسحة الأجل لوجدت الشهباء فيه منتهى الأمل ، ولكان اليوم إنسان عينها والسابق في حلبة ميدانها .